السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
409
مختصر الميزان في تفسير القرآن
ومما تقدم يظهر أن الضمير في قوله : « وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا » الخ ؛ عائد إلى « أَكابِرَ مُجْرِمِيها » في الآية السابقة ، إذ لو رجع إلى عامة المشركين لغى قولهم : « حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ » إذ لا معنى لرسالة جميع الناس حيث لا أحد يرسلون إليه ، ولم يقع قوله : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » موقعه بل كان حق الجواب أنه لغو من القول كما عرفت . ويؤيده الوعيد الذي في ذيل الآية : « سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ » حيث وصفهم بالإجرام وعلل الوعيد بمكرهم ، ولم ينسب المكر في الآية السابقة إلا إلى أكابر مجرميها ، والصغار الهوان والذلة . قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ الشرح هو البسط وقد ذكر الراغب في مفرداته أن أصله بسط اللحم ونحوه ، وشرح الصدر الذي يعد في الكلام وعاء للعلم والعرفان هو التوسعة فيه بحيث يسع ما يصادفه من المعارف الحقة ولا يدفع كلمة الحق إذا ألقيت إليه كما يدل عليه ما ذكر في وصف الإضلال بالمقابلة وهو قوله : « يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً » الخ ؛ فمن شرح اللّه صدره للإسلام وهو التسليم للّه سبحانه فقد بسط صدره ووسعه لتسليم ما يستقبله من قبله تعالى من اعتقاد حق أو عمل ديني صالح فلا يلقى إليه قول حق إلا وعاه ولا عمل صالح إلا أخذ به وليس إلا أن لعين بصيرته نورا يقع على الاعتقاد الحق فينوره أو العمل الصالح فيشرقه خلاف من عميت عين قلبه فلا يميّز حقا من باطل ولا صدقا من كذب قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( الحج / 46 ) . وقد بيّن تعالى شرح الصدر بهذا البيان في قوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فوصفه فعرفه بأن صاحبه راكب نور من اللّه يشرق قدامه في مسيره ثم عرفه بالمقابلة بلينة في القلب يقبل به ذكر اللّه ولا يدفعه لقسوة ثم قال : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ